ابن أبي العز الحنفي

89

شرح العقيدة الطحاوية ( ط دار السلام )

أنواع التوحيد الذي دعت إليه الرسل : ثُمَّ التَّوْحِيدُ الَّذِي دَعَتْ إِلَيْهِ رُسُلُ اللَّهِ وَنَزَلَتْ بِهِ كُتُبُهُ نَوْعَانِ : تَوْحِيدٌ فِي الْإِثْبَاتِ وَالْمَعْرِفَةِ ، وَتَوْحِيدٌ فِي الطَّلَبِ وَالْقَصْدِ . فَالْأَوَّلُ : هُوَ إِثْبَاتُ حَقِيقَةِ ذَاتِ الرَّبِّ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ وَأَسْمَائِهِ ، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ ، كَمَا أَخْبَرَ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ ، وَكَمَا أَخْبَرَ رَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَدْ أَفْصَحَ الْقُرْآنُ عَنْ هَذَا [ النَّوْعِ ] كُلَّ الْإِفْصَاحِ ، كَمَا فِي أَوَّلِ " الْحَدِيدِ " وَ " طه " وَآخِرِ " الْحَشْرِ " وَأَوَّلِ " ألم تَنْزِيلُ ، السَّجْدَةِ " وَأَوَّلِ " آلِ عِمْرَانَ " وَسُورَةِ " الْإِخْلَاصِ " بِكَمَالِهَا ، وَغَيْرِ ذَلِكَ . وَالثَّانِي : وَهُوَ تَوْحِيدُ الطَّلَبِ وَالْقَصْدِ ، مِثْلَ مَا تَضَمَّنَتْهُ سُورَةُ : { قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُون } ، { قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ } [ سورة آلِ عِمْرَانَ : 64 ] ، وَأَوَّلُ سُورَةِ " تَنْزِيلُ الْكِتَابِ " وَآخِرُهَا ، وَأَوَّلُ سُورَةِ " يُونُسَ " وَأَوْسَطُهَا وَآخِرُهَا ، وَأَوَّلُ سُورَةِ " الْأَعْرَافِ " وَآخِرُهَا ، وَجُمْلَةُ سُورَةِ " الْأَنْعَامِ " . وَغَالِبُ سُوَرِ الْقُرْآنِ مُتَضَمِّنَةٌ لِنَوْعَيِ التَّوْحِيدِ ، بَلْ كُلُّ سُورَةٍ في القرآن , فالقرآن إما خبر عن الله وأسمائه وصفاته ، وهو التَّوْحِيدُ الْعِلْمِيُّ الْخَبَرِيُّ , وَإِمَّا دَعْوَةٌ إِلَى عِبَادَتِهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَخَلْعُ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِهِ ، فَهُوَ التَّوْحِيدُ الْإِرَادِيُّ الطَّلَبِيُّ . وَإِمَّا أَمْرٌ وَنَهْيٌ وَإِلْزَامٌ بِطَاعَتِهِ ، فَذَلِكَ مِنْ حُقُوقِ التَّوْحِيدِ وَمُكَمِّلَاتِهِ , وَإِمَّا خَبَرٌ عَنْ إِكْرَامِهِ لِأَهْلِ تَوْحِيدِهِ ، وَمَا فَعَلَ بِهِمْ فِي الدُّنْيَا وَمَا يُكْرِمُهُمْ بِهِ فِي الْآخِرَةِ ، فَهُوَ جَزَاءُ تَوْحِيدِهِ , وَإِمَّا خَبَرٌ عَنْ أَهْلِ الشِّرْكِ ، وَمَا فَعَلَ بِهِمْ فِي [ الدُّنْيَا ] 1 مِنَ النَّكَالِ ، وَمَا يَحِلُّ بِهِمْ فِي الْعُقْبَى مِنَ الْعَذَابِ فَهُوَ جَزَاءُ مَنْ خَرَجَ عَنْ حُكْمِ التَّوْحِيدِ . فَالْقُرْآنُ كُلُّهُ فِي التَّوْحِيدِ وَحُقُوقِهِ وَجَزَائِهِ ، وَفِي شَأْنِ الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ وَجَزَائِهِمْ . فَ { الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } تَوْحِيدٌ ، { الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } تَوْحِيدٌ ، { مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ } تَوْحِيدٌ ، { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } تَوْحِيدٌ ، { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ }

--> 1 في الأصل : " العقبى " والصواب من المطبوعة .